في زمنٍ أصبحت فيه كرة القدم مجرّد أرقام وعقود، تظهر بين الحين والآخر قصص إنسانية تذكّرنا بأن خلف القمصان لاعبًا من لحم ودم، يحلم، يتألّم، ويصبر.
قصة أسامة عبيد، لاعب النجم الساحلي السابق والمنتدب الحالي لـ النادي الإفريقي، ليست مجرد انتقال في سوق اللاعبين، بل حكاية طويلة من العطاء، التضحيات، والخذلان الصامت.
لاعب نشأ من الهامش… وصنع اسمه بالعمل
ينحدر أسامة عبيد من عمادة السد الدوفي، وتحديدًا قرية السطح التابعة لمعتمدية سيدي بوعلي، منطقة بعيدة عن الأضواء، لكنّها قريبة من القيم الأصيلة: الصبر، الكفاح، والإيمان بالحلم.
وُلد في عائلة متوسطة الدخل، حيث لم يكن الطريق مفروشًا بالورود، بل كان مليئًا بالتعب والانتظار الطويل.
والده، كمال عبيد، لم يكن مجرد أب، بل كان السند الحقيقي لمسيرة ابنه؛
كان يقتطع من قوت أبنائه ليؤمّن مصاريف التمارين، ويقضي الساعات في انتظار أسامة بسوسة حتى يعود معه ليلًا، دون كلل أو تذمّر.
تضحيات لا تُذكر في العناوين، لكنها كانت الأساس الذي بُني عليه حلم لاعب محترف.
نجم صامت في النجم الساحلي
مع النجم الساحلي، أثبت أسامة عبيد قيمته لاعبًا فوق العادة.
كان حاضرًا في الأوقات الصعبة، يسجّل الأهداف الحاسمة، ويصنع اللعب بتمريرات دقيقة، ويقاتل داخل الملعب بروح المسؤولية.
كثيرون من جماهير النجم يشهدون بأنه كان يحمل الفريق على ظهره في فترات حساسة، ويؤدي أدواره دون ضجيج أو استعراض.
ورغم مكانته الفنية وتأثيره الواضح داخل المجموعة، ظلّ أجره الشهري لا يتجاوز مليون مليم، وهو رقم لا يعبّر إطلاقًا عن قيمة لاعب يُعتبر عمودًا أساسيًا في فريق ينافس محليًا وقاريًا.
المرض… حين تُختبر الوفاءات
بلغت المعاناة ذروتها حين أصيب أسامة عبيد بمرض الكوليرا، في واحدة من أصعب محطات حياته.
في تلك الفترة، لم يجد التفاتة حقيقية من مسؤولي ناديه، وترك وحيدًا يواجه الألم.
كانت والدته وعائلته هم السند الوحيد؛
يتنقّلون في ساعات متأخرة من الليل إلى المصحّة، يحملون له الطعام، ويتكفّلون برعايته والاهتمام به، بينما ظلّ الصمت يخيّم من الجهة التي أفنى من أجلها صحته وجهده.
تجديد بشروط وضغط نفسي
حتى عندما طُرح ملف تجديد العقد، لم يشعر أسامة عبيد بالتقدير المنتظر.
فقد ارتبط التجديد بشروط صارمة وسقف أجور لا يُسمح بتجاوزه، دون النظر إلى ما قدّمه اللاعب داخل الملعب أو ما تحمّله خارجه.
رغم ذلك، واصل اللعب:
وهو مصاب
وتحت ضغط نفسي كبير
وفي أجواء افتقدت للتحفيز والدعم
ومع كل ذلك، لم يخرج أسامة للإعلام، ولم يهاجم ناديه، بل اختار الصمت، وفضّل أن “يأكلها في لحمه”، محافظًا على صورته واحترامه لتاريخه.
الاحتراف حق… لا خيانة
بعد تجربة احترافية غير موفّقة مع بني ياس الإماراتي، عاد أسامة ليجد نفسه أمام مفترق طرق حقيقي:
إمّا البقاء في دائرة الضغط والتهميش، أو التفكير بعقلية لاعب محترف يبحث عن مستقبل أفضل له ولعائلته.
اختياره لم يكن تمرّدًا ولا خيانة، بل حق مشروع:
لتحسين وضعه المادي
لمساندة عائلته
لبناء مشروع يضمن له ما بعد كرة القدم
فكرة بسيطة، لكنها غالبًا ما تُقابل بحملات قاسية من جمهور لا يعرف كل التفاصيل.
النادي الإفريقي… محطة جديدة وأمل متجدّد
اختار أسامة عبيد الانضمام إلى النادي الإفريقي، في خطوة وُصفت بالجرئية، لكنها في الواقع محسوبة بعناية:
عقد محترم يعكس قيمته
مدرّب سبق له العمل معه ويؤمن بإمكانياته
هيئة تسعى إلى إعادة الفريق إلى سكة النجاح
جمهور عريض يساند ناديه بلا حدود
كلّها عوامل تجعل من هذه المحطة فرصة حقيقية لإعادة البروز، ورفع القيمة الفنية والذهنية للاعب.
صمت الكبار… ودروس في الوفاء
رغم كل ما عاشه، لم يتفوّه أسامة عبيد بكلمة إساءة واحدة في حق ناديه السابق.
اختار الصمت، والرحيل بهدوء، محتفظًا بذكرياته الجميلة، ومخلّفًا وراءه درسًا في الأخلاق الرياضية.
أسامة عبيد هو مثال للاعب:
عانى كثيرًا
صبر طويلًا
ولم يُنصف كما يجب
لكن كرة القدم، في النهاية، لا تنسى من أعطاها بصدق.
اخر الكلام
بين قرية السطح ومدرجات رادس، مسافة طويلة قطعها أسامة عبيد بالإصرار لا بالضجيج.
واليوم، وهو يبدأ فصلًا جديدًا مع النادي الإفريقي، يبقى الأمل كبيرًا في أن يجد البيئة التي تليق بموهبته، وأن يكون المستقبل أرحم من الماضي.
التاريخ لا يُكتب بالحملات، بل بالعطاء… وأسامة عبيد أعطى كثيرًا.
✍️ بقلم: الحبيب العرفاوي




